سيد محمد طنطاوي
17
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( يا زَكَرِيَّا ) * في الكلام حذف ، أي : فاستجاب اللَّه دعاءه فقال : * ( يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُه يَحْيى . . . ) * فتضمنت هذه البشارة ثلاثة أشياء : أحدها : إجابة دعائه وهي كرامة . الثاني : إعطاؤه الولد وهو قوة . الثالث : أن يفرد بتسميته . . . » « 1 » . وقد بين - سبحانه - في آيات أخرى أن الذي بشر زكريا هو بعض الملائكة ، وأن ذلك كان وهو قائم يصلى في المحراب ، قال - تعالى - : فَنادَتْه الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ، أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ، مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه ، وسَيِّداً وحَصُوراً ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( اسْمُه يَحْيى ) * يدل على أن هذه التسمية قد سماها اللَّه - تعالى - ليحيى ، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره ، وهذا لون من التشريف والتكريم . وقوله - تعالى - : * ( لَمْ نَجْعَلْ لَه مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) * أي لم نجعل أحدا من قبل مشاركا له في هذا الاسم ، بل هو أول من تسمى بهذا الاسم الجميل . قال بعض العلماء : « وقول من قال : إن معناه : لم نجعل له من قبل سميا ، أي : نظيرا يساويه في السمو والرفعة غير صواب ، لأنه ليس بأفضل من إبراهيم ونوح وموسى فالقول الأول هو الصواب ، وممن قال به : ابن عباس ، وقتادة ، والسدي ، وابن أسلم وغيرهم . . . » « 3 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة . فقال - تعالى - : * ( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ، وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً . وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) * . فالجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال تقديره : فماذا قال زكريا عندما بشره اللَّه - تعالى - بيحيى ؟ ولفظ * ( أَنَّى ) * بمعنى : كيف . أو بمعنى : من أين . أي : قال زكريا مخاطبا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى : يا رب كيف يكون لي غلام ، وحال امرأتي أنها كانت عاقرا في شبابها وفي شيخوختها ، وحالي أنا أنني قد بلغت من الكبر عتيا ، أي . قد تقدمت في السن تقدما كبيرا .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 82 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 39 . ( 3 ) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 214 .